الإمارات تطعن السعودية في الظهر عبر بوابة اليمن وتجيش القبائل للحرب مع السعودية فيما يبدو مخطط لتقسيم المملكة.
من منظور سعودي صريح وغير حيادي، لم تعد العلاقة مع الإمارات في الملف اليمني مجرد شراكة شابها سوء تقدير، بل تحولت إلى خيبة سياسية وأمنية عميقة، وصلت في مراحل كثيرة إلى حد الطعن في الظهر. فبينما حملت المملكة العربية السعودية العبء الأكبر في مواجهة المشروع الإيراني في اليمن دفاعًا عن أمنها القومي وأمن المنطقة، اختارت الإمارات أن تسلك طريقًا مغايرًا، يقوم على تقويض الأهداف السعودية من الداخل، مستخدمة اليمن كبوابة لتحقيق مصالحها الخاصة.
دخلت السعودية الحرب في اليمن وهي تدرك أن الخطر الحوثي ليس خطرًا يمنيًا فحسب، بل امتداد مباشر للنفوذ الإيراني على حدودها الجنوبية. لذلك كان الهدف السعودي واضحًا: إعادة الشرعية، الحفاظ على وحدة اليمن، ومنع تحوله إلى دولة فاشلة أو كيان معادٍ يهدد أمن المملكة. هذا الهدف لم يكن محل جدل في بداية التحالف، لكن سرعان ما بدأت الإمارات في الانحراف عنه، متبنية أجندة تتناقض جوهريًا مع الرؤية السعودية.
من وجهة نظر سعودية، فإن أول مظاهر “الطعن في الظهر” تمثلت في قيام الإمارات ببناء مليشيات مسلحة خارج إطار الدولة اليمنية. فبدل دعم الجيش الوطني والمؤسسات الشرعية، جرى تمويل وتسليح كيانات موازية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني والنخب المختلفة. هذه القوى لم تواجه الحوثي بقدر ما واجهت الحكومة الشرعية، وفتحت صراعات داخلية أضعفت الجبهة التي تقف السعودية في مقدمتها.
الأحداث التي شهدتها عدن في أغسطس 2019 كانت نقطة تحول كاشفة. ففي الوقت الذي كانت فيه السعودية تخوض معركة مفتوحة ضد الحوثيين وتتعرض مدنها للقصف بالصواريخ والطائرات المسيّرة، دعمت الإمارات انقلابًا مسلحًا ضد الحكومة الشرعية في عاصمة مؤقتة يفترض أنها محررة. من المنظور السعودي، لم يكن ذلك مجرد خلاف سياسي، بل ضربة مباشرة لظهر المملكة، وتشتيت متعمد للجهد العسكري في أخطر مراحل الصراع.
كما أن دعم الإمارات للمشروع الانفصالي في جنوب اليمن يمثل، بنظر السعودية، تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد. فالمملكة لا يمكنها القبول بيمن ممزق، تحكمه كيانات متناحرة، وحدوده مفتوحة للفوضى والتدخلات الخارجية. تقسيم اليمن يعني إطالة أمد الصراع، وخلق بيئة مثالية لاختراقات إيرانية وتنظيمات مسلحة، وكل ذلك ينعكس مباشرة على أمن السعودية. ومع ذلك، دفعت الإمارات بهذا المسار وكأنه لا يعنيها ما ستتحمله المملكة من تبعاته.
الطعن الآخر تمثل في السعي الإماراتي للسيطرة على الموانئ والجزر اليمنية، مثل سقطرى وميون، خارج أي تنسيق حقيقي مع السعودية أو الحكومة الشرعية. هذه التحركات لا تُقرأ سعوديًا إلا بوصفها محاولة لبناء نفوذ بحري وتجاري وعسكري مستقل، حتى لو كان ذلك على حساب المعركة الأساسية ضد الحوثي. والأسوأ أن هذه السيطرة جاءت في مناطق ذات حساسية عالية للأمن القومي السعودي، خاصة المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب.
ومن زاوية أمنية بحتة، فإن إضعاف الدولة اليمنية وتمزيق سلطتها العسكرية والأمنية يشكل خدمة مجانية للحوثيين. فكل جبهة داخلية تُفتح في الجنوب، هي متنفس للحوثي في الشمال، وكل صراع جانبي هو فرصة لإيران لتعزيز نفوذها. السعودية، التي تدفع ثمن الصواريخ والهجمات العابرة للحدود، ترى في هذا السلوك الإماراتي خذلانًا واضحًا، إن لم يكن تواطؤًا غير مباشر في إطالة أمد التهديد.
ورغم حجم الضرر، اختارت السعودية طريق الحكمة وضبط النفس. فقادت جهود المصالحة، وطرحت اتفاق الرياض كحل لإنهاء الفوضى التي خلقتها السياسات الإماراتية، وإعادة توجيه السلاح نحو الحوثي بدل توجيهه إلى صدور اليمنيين. غير أن التعثر المتكرر في تنفيذ الاتفاق، واستمرار الدعم الإماراتي للقوى الخارجة عن الشرعية، عزز الشعور السعودي بأن ما جرى لم يكن سوء تفاهم، بل نهجًا مدروسًا.
في الخلاصة، من وجهة نظر سعودية، فإن الإمارات لم تخذل التحالف في اليمن فحسب، بل طعنت السعودية في الظهر عبر بوابة يفترض أنها بوابة الدفاع المشترك. فاليمن بالنسبة للمملكة قضية أمن قومي لا تحتمل العبث أو المساومة، وأي طرف يضع مصالحه الضيقة فوق هذا الاعتبار، إنما يهدد استقرار المنطقة بأكملها. والتاريخ سيسجل أن السعودية قاتلت من أجل أمنها وأمن اليمن، بينما اختار آخرون استثمار الحرب لتحقيق مكاسب على حساب الدم والتحالف والثقة.
